الشيخ الطبرسي
92
تفسير مجمع البيان
تحتجوا بما فد سلف من اليمين ، عن ابن عباس ومجاهد والربيع ، وأصله في هذا القول والأول واحد ، لأنه منع من جهة الاعتراض لعلة أو حجة . والثالث : إن معناه : لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة ( 1 ) في كل حق وباطل ، لأن تبروا في الحلف بها ، وتتقوا المآثم فيها ، عن عائشة ، لأنها قالت : لا تحلفوا به وإن بررتم ، وبه قال الجبائي ، وأبو مسلم ، وهو المروي عن أئمتنا ، نحو ما رواه عثمان بن عيسى ، عن أبي أيوب الخزار ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : لا تحلفوا بالله صادقين ، ولا كاذبين ، فإنه سبحانه يقول : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) . قال أبو مسلم : ومن أكثر ذكر شئ في معنى ، فقد جعله عرضة له . وتقول : جعلتني عرضة لقومك ، قال الشاعر : " ولا تجعليني عرضة للوائم " وتقديره على الوجه الأول والثاني : لا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا . وعلى الوجه الثالث : لا تجعلوا الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف به في كل حق وباطل . وقوله : ( أن تبروا ) قيل في معناه أقوال الأول : لأن تبروا على معنى الإثبات أي : لأن تكونوا بررة أتقياء ، فإن من قلت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه . وقيل : لأن تبروا في اليمين . والثاني : إن المعنى لدفع أن تبروا ، أو لترك أن تبروا ، فحذف المضاف ، عن المبرد . والثالث : إن معناه أن لا تبروا ، فحذف لا ، عن أبي عبيدة قال : وقد حذف لا ، لأنه في معنى القسم ، كقول امرئ القيس : " فقلت يمين الله أبرح قاعدا " أي : لا أبرح . وأنكر المبرد هذا لأنه لما كان معه أن ، بطل أن يكون جوابا للقسم ، وإنما يجوز والله أقوم في القسم بمعنى لا أقوم ، لأنه لو كان إثباتا لقال : لأقومن باللام والنون . والمعنى في قول أبي العباس وأبي عبيدة واحد ، والتقدير مختلف . ( وتتقوا ) أي : تتقوا الإثم والمعاصي في الأيمان ( وتصلحوا بين الناس ) في الأيمان ، وتصلحوا بين الناس عطف . على ما سبق ، ومعناه ، ولا تجعلوا الحلف بالله علة ، أو حجة في أن لا تبروا ، ولا تتقوا ، ولا تصلحوا ، لكي تكونوا من البررة والأتقياء والمصلحين بين الناس ، أو لدفع أن تبروا وتتقوا وتصلحوا . وعلى الوجه الثالث : لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة ، لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا أي : بين الناس ، فإن كثرت يمينه لا يوثق بحلفه ، ومن قلت يمينه فهو أقرب إلى التقوى والإصلاح بين
--> ( 1 ) كلام مبتذل : كثير الاستعمال .